العربي الحميدي| المغرب

The Truncated Argument
بعد نقاشاتٍ متنوّعة مع عددٍ من الأشخاص من بلدان مختلفة، أطرح اليوم هذا التساؤل:
هل تكاد المجتمعات الإنسانية، من الشرق إلى أقصى الغرب، ومن الشمال إلى الجنوب، تتفق شعوريًا أو لا شعوريًا في خطابها اليومي، بكل تنويعاته الدينية والسياسية والإعلامية والشعبية، على ممارسة واحدة تتكرر في صور شتّى، ألا وهي الاجتزاء؟ أي الاقتصار على نصف الحقيقة، واقتناص ما يخدم المواقف وترك ما يناقضها، حتى غدت ما يُسمّى بـ الحجّة المبتورة جزءًا من نسيج الحياة الخطابية!؟
محاولتي لفهم الحجّة المبتورة تجعلني أرى أنّها ليست مجرد خلل في أسلوب الإقناع، بل هي علامة ثقافية كبرى تكشف عن أنماط التفكير التي تحكمنا، وعن علاقة المجتمع بالحقيقة والمعرفة. فحين تُبتَر الحجة، يُبتَر معها السياق، ويُختزل التعقيد في تبسيطٍ ساذج، وتُستبدل الحقيقة الكاملة بصورة مشوّهة عنها!
الدين بين النص والاقتطاع
يقول بول ريكور: “النص لا يتكلم إلا من خلال تأويله”، لكن كثيرًا من خطاباتنا الدينية تكتفي بنصف التأويل، أو تُخرج النص من بيئته التاريخية واللغوية لتُحيله إلى سلاح في يد الخطيب أو الداعية. إن الاقتصار على آية أو حديث في غير موضعه لا يُنتج معرفة دينية، بل يُنتج أيديولوجيا مقنّعة بالدين. وهذا ما نبّه إليه المفكر المغربي محمد عابد الجابري حين اعتبر أنّ العقل المستقيل يعيش على نصوص مبثورة تُستعمل في شرعنة الاستبداد أو تثبيت الأعراف الجامدة، بدل أن تكون منارات للهداية.
السياسة ولعبة أنصاف الحقائق
السياسة عندنا تقوم، في كثير من الأحيان، على اقتصاد الخطاب: السياسي لا يقدّم الحقيقة كاملة، بل يوزّع أجزاءً منها وفق ما يخدم صورته. وهنا نستحضر تحليل حنّة أرندت التي فرّقت بين الحقيقة الواقعية والرأي، مؤكدة أنّ المجتمعات التي تطمس الفارق بينهما تعيش في ضباب الوهم. فحين يُقدَّم نصف الرقم الاقتصادي أو يُخفى نصف المعطى الاجتماعي، يصبح الشعب أسيرًا لتمثيلٍ زائف للواقع، وهو ما وصفه بيير بورديو بـالعنف الرمزي، أي ذاك الذي يُمارَس عبر التحكم في الصورة والمعنى أكثر مما يُمارس عبر القوة المباشرة.
الإعلام وإغواء المقتطف
في زمن الصورة السريعة والعنوان المثير، صار الإعلام بدوره فضاءً لصناعة الحجّة المبتورة. المعلومة لا تُقدَّم في سياقها، بل تُقطّع لتتحول إلى مقتطف قصير يُثير الانفعال ويُغذّي التوجّه الاستهلاكي للخبر. وهنا يمكن استدعاء تحذير إدوارد سعيد من تقطيع السرديات، حيث يُقدَّم الشرق مثلًا في الإعلام الغربي مجتزأً ومشوّهًا، ليخدم صورة جاهزة عن “الآخر”. والإعلام المحلي لا يختلف كثيرًا، إذ يستعمل البتر لتوجيه الرأي العام أكثر مما يستعمل الحقيقة لبناء وعي عام.
الحياة اليومية وثقافة النصف
ليس الدين والسياسة والإعلام وحدها من تستعمل الحجّة المبتورة؛ فحتى في مجالسنا العائلية وحكاياتنا اليومية نمارس البتر كجزء من آليات الدفاع عن الذات. نروي من القصة ما يثبت براءتنا ونحذف ما يديننا، نستشهد بمثلٍ شعبي في غير محلّه لتمرير رأي، أو نقتطع بيتًا شعريًا من معناه ليُغطي على موقف ضعيف. إنّها ثقافة النصف، حيث نُفضّل الراحة التي يمنحها الجزء على القلق الذي يسببه الكلّ.
البعد التربوي
حين نُلقّن أبناءنا دروسًا مبتورة، أو نُقدّم نصوصًا أدبية وفلسفية خارج سياقها، فإننا نُعيد إنتاج عقلٍ يرضى بالنصف، عقلٍ لا يُسائل ولا يبحث عن الجذور. وهكذا تتحول المدرسة، من غير وعي، إلى مصنع لتكريس العقل المجتزأ. إنّ التربية على النقد والقراءة الكاملة وحدها قادرة على تحصين الأجيال من فخاخ البتر والخطاب الناقص.
إنّ الحجّة المبتورة لا تُضعف فقط ثقافة الحوار، بل تزرع انقسامًا في المجتمع؛ لكل جماعة حجّتها المبتورة، ولكل فئة روايتها المجتزأة، فتضيع الحقيقة الكاملة. وبذلك نصبح مجتمعًا يستهلك الوهم والكذب بدل أن يبني الوعي.
لا يمكننا الخروج من هذه الدوامة إلا بترسيخ ثقافة السياق. أن نُدرّب أنفسنا على قراءة النصوص في ضوء بيئتها، وعلى الإصغاء للآخر حتى النهاية، وعلى تربية الأجيال على الشكّ المنهجي لا على التلقين الأعمى. وهنا نستعيد صوت عبد الكبير الخطيبي وهو ينادي بـ النقد المزدوج. نقد الذات ونقد الآخر في آنٍ واحد، حتى لا نسقط في فخ الخطاب الناقص.
إنّ الحجّة المبتورة ليست مجرد عيب في المنطق، بل هي عِلّة في جسد خطابنا الاجتماعي، تكشف هشاشة علاقتنا بالحقيقة. فإذا شئنا مجتمعًا قادرًا على التفكير الحرّ، وجب أن نتحرر من أسر أنصاف الحقائق، وأن نعيد للكلمة اكتمالها وللحوار عمقه. فالحقيقة كما قال هايدغر ليست مجرد مطابقة، بل انكشاف. ولن ينكشف لنا العالم حقًا ما دمنا نغضّ الطرف عن نور الحقيقة.
بقلم رئيس التحرير
عناقيد عناقيد، موقع ثقافي فكري جامع مستقل.