الثقافة قاطرة كل مناحي الحياة

أعدّ الملف أحمد طايل| مصر

ياسين كني، كاتب مغربي

العلاقة بين السياسة والثقافة من أكثر العلاقات تعقيدًا وتشابكًا في تاريخ المجتمعات، فهما مجالان يتحركان على أرض واحدة: الوعي الجماعي، ومن هنا، فإن السؤال عن من يقود الآخر هو مفتاح لفهم بنية المجتمع ومستقبله.

بالمعنى العام، العلاقة تبادلية: الثقافة تُنتج الرموز والمعاني والقيم، والسياسة تُشرف على إدارة هذه المعاني عبر المؤسسات والقوانين والتوجهات، لكن، ورغم هذا التداخل، فإن الواقع غالبًا ما يشهد هيمنة السياسة على الثقافة، لا العكس.

فالفاعل السياسي يمتلك أدوات السلطة: التشريع، التمويل، التوجيه الإعلامي، وهو بذلك قادر على توجيه الفعل الثقافي، بل وحتى صناعته أو قمعه، وحين تكون النخب الثقافية ضعيفة، أو غير منظمة، أو تابعة، تصبح الثقافة مجرد ظل باهت للسلطة، تُشرعن قراراتها أو تُروّج لأيديولوجيتها.

لكن العكس ممكن، حين تكون النخبة المثقفة قوية، مستقلة، ومتجذّرة في المجتمع، يصبح من الممكن أن تُحرج السلطة، أو تؤثر فيها، أو تدفعها إلى مراجعة اختياراتها، فكل ممارسة للمعرفة هي شكل من أشكال السلطة كما يقول ميشيل فوكو، والتاريخ شاهد على لحظات نادرة قادت فيها الثقافة السياسة، حين امتلك المثقفون الشرعية الأخلاقية التي افتقدها السياسيون.

إذن، التوافق بين السياسة والثقافة ليس مستحيلاً، لكنه مرهون بـ:

وعي السياسي بأهمية الثقافة كأداة بناء لا هدم.

قوة الفاعل الثقافي واستقلاله وقدرته على التأثير.

وفي غياب أحد الطرفين أو اختلال التوازن بينهما، يصبح الفعل الثقافي عرضة للتهميش، أو الاحتواء، أو التسليع الفارغ.

وإذا كان غرامشي يقول أن المعركة من أجل الهيمنة تخاف في ميدان الثقافة أكثر منها في ميدان السياسة فإن مستقبل المجتمعات مرهون بتحقيق هذا التوازن، حيث لا تهيمن السياسة فتفرغ الثقافة من محتواها، ولا تنعزل الثقافة فتغدو صرخة في فراغ، فالتاريخ يُكتب حين يلتقي العقل الواعي بالسلطة الرشيدة.

المثقف ولعبة السياسة

الدكتور معتز محي عبد الحميد

كاتب وباحث واكاديمي

إنَّ  علاقة المثقف بالمؤسسة السياسية في الجغرافية العربية ، كان وما يزال يرتبط بأفكار المؤسسة وتدجينها للواقع الثقافي ضمن الايدلوجية التي تفرضها ، كسلعة شعبوية او فوفقية  . ومن المفيد ذكره في هذا الصدد أنَّ معظم مفاهيم المثقف في العالم تسير في اتجاه العمل بمجال الثقافة فكراً وإنتاجاً أو ترويجاً ونشراً أو استهلاكاً وقراءة، وهو اتجاه تطور تاريخياً ليسمح بمساحة كبيرة من الحرية في الغرب، لكنه في العالم العربي ،أصبح حبيساً لسياسات الأنظمة القمعية، التي أنتجت (المثقف السياسي) أو المثقف المحصور في إيديولوجية سياسية لا يمكن له أن يغادرها.

المثقف المبرمج سياسيا

ولذا نجد الكثير من الإشكاليات لمفهوم المثقف في العالم العربي والإسلامي، حيث تحول المثقف إلى ما يمكن تسميته بالمثقف المبرمج سياسياً. ومازال مفهوم المثقف عند المفكرين والكتاب العرب يثير الحوارات والأبحاث الفلسفية والسجالات الفكرية العميقة؛ خصوصاً بين المثقفين الذين لم ينصاعوا لأوامر السلطة السياسية الحاكمة.

وأتذكر في هذا المجال أنَّ (علي شريعتي) انتقد مصطلح (المثقف السياسي)، لأنه لا يستطيع أن يشخص السلبيات والأزمات والمشاكل بحرية كاملة، وليس له القدرة على تشخيص أمراض المجتمع ومحاولة حلها، إنما هو وسيلة من وسائل الإقناع السياسي لصالح مصالح السياسيين.

علي الوردي والمتعلم والمثقف

 كما أنَّ هذه الإشكالية المعرفية بدمج السياسي مع الثقافي جعلت عالم الاجتماع العراقي الدكتور (علي الوردي) يميّز بين (المتعلم والمثقف)، فالمتعلم هو السياسي الذي تعلم أموراً لم تخرج عن نطاق الإطار الفكري والسياسي، الذي اعتاد عليه منذ الصغر. (فهو لم يزد من العلم إلا ما زاد في تعصبه وضيّق من مجال نظره. هو قد آمن برأي من الآراء أو مذهب من المذاهب فاخد يسعى وراء المعلومات التي تؤيده في رأيه وتحرضه على الكفاح في سبيله. اما المثقف فهو يمتاز بمرونة رأيه وباستعداده لتلقي كل فكرة جديدة وللتأمل فيها ولتملي وجه الصواب فيها).

وأضاف (الوردي): (مما يؤسف له أنَّ المثقفين بيننا قليلون والمتعلمين كثيرون. ومتعلمونا قد بلغ غرورهم بما تعلموه مبلغاً لا يحسدون عليه. وهذا هو السبب الذي جعل أحدهم لا يتحمل رأياً مخالفاً لرأيه. يقال إنَّ مقياس الذي نقيس به ثقافة شخص ما هو مبلغ ما يتحمل هذا الشخص من آراء غيره المخالفة لرأيه، فالمثقف الحقيقي يكاد لا يطمئن إلى صحة رأيه، ذلك لانَّ المعيار الذي يزن به صحة الآراء غير ثابت لديه، فهو يتغير من وقت لآخر. وكثيراً ما وجد نفسه مقتنعاً برأي معين في يوم من الأيام ثم لا يكاد يمضي عليه الزمن حتى تضعف قناعته بذلك الرأي).

وهكذا فإنَّ الحقيقة الفكرية التي يدافع عنها المثقف الملتزم بالأسس المنطقية الواقعية تختلف عن تلك التي يدافع عنها المتعلم السياسي، فبينما تقتصر وظيفة المثقف على التصويب واقتراح الحلول العقلية المبدعة، فالمتعلم السياسي وظيفته الوصول إلى أكبر قدر من المصلحة الحزبية، كما حدث في تسلط حزب البعث على الحياة الفكرية في العراق  في اكثر من ثلاث عقود ،حتى ولو كانت على حساب الشعب، واقتراح الحلول التي لا تخرج عن هذه المصلحة الضيقة.

وهنا تتلخص الأزمة الفكرية في الدول العربية والإسلامية بالتصاق المثقف المتعلم بالسياسي، لبقاء المجتمع في جهله الفكري والقانوني لكي يسهل السيطرة عليه. أما المثقف الملتزم فيبقى مخلصاً لمبادئه حريصاً على تطبيقها في المجتمع بعيداً عن المصالح الحزبية الضيقة، ولذا كانت الثقافة دوماً في مواجهة السياسة مع وجود بعض المثقفين المتعلمين الملتصقين بالأنظمة الحاكمة الذين يسعون لنيل المكاسب الشخصية الرخيصة.

إنَّ سيطرة السياسي على الثقافي تكمن في خوف بعض الأنظمة الدكتاتورية المتسلطة من المثقفين الملتزمين، الذين سلبت حرياتهم بقوانين ظالمة شرعت من أجل إخضاع رأيهم لرأي السلطة الحاكمة، إضافةً إلى تهميش أدوارهم في المجتمع.

وهنا نؤكد على أنَّ جدلية المثقف والسياسي قائمة وأزلية، لأنَّ المثقف الملتزم ناقد بعقله المنطقي لكل سلبيات السياسة، ولا يجوز له على وفق ذلك أن يقف على الحياد أو أن يكون موالياً لأية سلطة سياسية؛ إضافة إلى أنَّ فكره وثقافته المنطقية من المفترض أن تكون إطاراً مرجعياً لعمل السياسي.

==========    

من يقود الآخر: السياسة أم الثقافة؟

منذ القدم، شكّلت العلاقة بين السياسة والثقافة إحدى أبرز الجدليات في الفكر الإنساني، لا سيما في المجتمعات التي تمر بتحولات سياسية أو أزمات وجودية. وغالبًا ما يُطرح السؤال: من يقود الآخر؟ هل السياسة هي من ترسم حدود الثقافة وتوجّهها؟ أم أن الثقافة، بما تمتلكه من طاقة رمزية وقدرة على التأثير في الوعي الجمعي، هي التي تصوغ السياسات وتدفعها نحو قيم أكثر عدالة وإنسانية؟

في الواقع، ليست العلاقة بين الطرفين علاقة تفوّق دائم لأحدهما، بل علاقة شدّ وجذب، يتقدّم فيها أحدهما حين يضعف الآخر. وقد يلتقيان أحيانًا في مشروع وطني مشترك، أو يتصادمان حين تتعارض الأهداف والوظائف.

عندما تفرض السياسة سلطتها على الثقافة، غالبًا ما تستخدم أدوات تقليدية للضبط والسيطرة: الرقابة، الإعلام الرسمي، التمويل المشروط، والتشريعات المقيدة. في هذا السياق، تصبح الثقافة أداة في يد السلطة، تنقل الرواية الرسمية وتخدم استقرار النظام، بدلاً من أن تقوم بوظيفتها النقدية أو التنويرية.

أما في اللحظات التي تتقدّم فيها الثقافة، فغالبًا ما تكون قد نجحت في بناء وعي جمعي قادر على مساءلة السلطة واقتراح بدائل. يحدث هذا في لحظات الانتفاضات الشعبية أو خلال فترات التنوير الكبرى، حيث يُعاد تعريف العلاقة بين المواطن والدولة من خلال الفنون، والفكر، والخطاب العام.

لا يمكن إنكار التأثير المتبادل بين الطرفين. فقد تكون الثقافة أداة لتعزيز قيم التعدد والعدالة حين تتكامل مع سياسة رشيدة، وقد تتحوّل إلى أداة تجميل للاستبداد حين تُختزل في وظيفة دعائية. وكما استخدمت دول عديدة الثقافة كقوة ناعمة في سياستها الخارجية، فإن دولًا أخرى استخدمتها كوسيلة قمع داخلي، عبر احتكار المنابر الثقافية، وإعادة تشكيل الوعي وفق أجندة السلطة.

ورغم هذا التعقيد، يظل التوافق بين الثقافة والسياسة ممكنًا، بشرط الاعتراف المتبادل بالاستقلالية. هذا لا يعني الانفصال التام، بل علاقة تشاركية قائمة على احترام التعدد والتفكير النقدي. حين تُحترم المؤسسات الثقافية وتُمنح حرية العمل، يمكن للسياسة أن تستفيد من الثقافة دون أن تهيمن عليها.

النموذج الأول: سوريا – هيمنة السياسة على الثقافة

تُعد سوريا من أبرز النماذج العربية التي تجسّد هيمنة السياسة على الثقافة، لا سيما منذ سبعينيات القرن الماضي. فقد خضعت الحياة الثقافية لعملية “بعثنة”، حيث أصبح الانتماء الحزبي معيارًا للقبول الثقافي، وسقطت استقلالية المؤسسات لصالح خدمة الرواية الرسمية.

1. المؤسسات الثقافية الرسمية:
اتحاد الكتّاب، وزارة الثقافة، ووسائل الإعلام خضعت جميعها لتوجيه السلطة. لم يكن يُسمح لها بتبني روايات مغايرة، بل تحوّلت إلى أدوات تضخيم لصورة النظام.

2. الرقابة والتكميم:

خضعت المسرحيات، والأغاني،  والروايات لرقابة صارمة.  فـمحمد الماغوط، رغم شعبيته الواسعة، كان مراقَبًا باستمرار، وتعرّض للإهمال المتعمّد في الإعلام الرسمي، خصوصًا بعد نصوصه الساخرة التي طالت الأنظمة العربية. وممدوح عدوان كتب نصوصًا مسرحية وفكرية نقدت القمع والاستبداد، فتم التضييق عليه مرارًا، وأُبعدت أعماله عن القنوات الرسمية. أما زكريا تامر، فقد اختار المنفى منذ الثمانينات بسبب رفضه السير في ركاب السلطة، واستمر من الخارج في كتابة قصص رمزية فجّرت أسئلة سياسية وأخلاقية حادّة، مما دفع النظام إلى تجاهله تمامًا في الداخل. كل من حاول الاحتفاظ باستقلاله الفكري، أو نقد الشعارات الفارغة، وجد نفسه خارج “المشهد الوطني” المصنّع، في حين احتل المشهد كتّاب ومدّاحون صنعهم الإعلام الرسمي، ورُفعوا إلى مرتبة “الرموز”، رغم ضحالة الكثير من إنتاجهم، فقط لأنهم خدموا خطاب السلطة وأضفوا عليه مسحة ثقافية زائفة.

كل من حاول الاحتفاظ باستقلاله الفكري، أو نقد الشعارات الفارغة، وجد نفسه خارج “المشهد الوطني” المصنّع، في حين احتل المشهد كتّاب ومدّاحون صنعهم الإعلام الرسمي، ورُفعوا إلى مرتبة “الرموز”، رغم ضحالة الكثير من إنتاجهم، فقط لأنهم خدموا خطاب السلطة وأضفوا عليه مسحة ثقافية زائفة.

3. صناعة الرموز وتجميل السلطة:
تم تضخيم رموز ثقافية موالية وتهميش المعارضين. حتى المهرجانات والمناسبات الثقافية استُخدمت لتلميع صورة الدولة بدل تمجيد الإبداع أو التعبير الحر.

النموذج الثاني: فرنسا – مايو 1968: حين قادت الثقافة السياسة

في ربيع 1968، شهدت فرنسا حراكًا طلابيًا وشعبيًا اجتاح الجامعات والشوارع، بدأ من جامعة نانتير وانتقل إلى السوربون، فالمصانع. لم يكن هذا الحراك من صنع الأحزاب، بل ثمرة ثقافة نقدية ناضجة، غذّتها أفكار جان بول سارتر، ميشال فوكو، جاك دريدا، بيير بورديو، ورولان بارت، إلى جانب تأثيرات سينمائية من غودار وفرانسوا تروفو.

الثقافة أولًا: من الجامعة إلى الشارع

رفض الطلاب السلطة الأبوية والنظام البيروقراطي، ورفعوا شعارات مستوحاة من الفلسفة والفن مثل: “الخيال إلى السلطة” و*”كن واقعيًا واطلب المستحيل”*. مثّلت الثقافة الطليعية – الوجودية، البنيوية، السينما الجديدة – المحرك الفعلي للحراك.

نتائج عميقة رغم بقاء النظام

لم تسقط الثورة النظام السياسي، لكنها أرغمت شارل ديغول على الفرار المؤقت، ودفعت إلى إصلاحات تعليمية ومجتمعية. والأهم أنها أطلقت موجة تحرر ثقافي وفكري ما زالت آثارها حيّة في الفكر الأوروبي.
مايو 1968 كشف أن المثقفين والمفكرين قادرون على تحريك الشارع وتحدي السلطة. لم تنتصر الأحزاب، بل انتصر الفكر النقدي والخيال الثقافي، مؤكدًا أن الثقافة قد تقود السياسة حين تبلغ ذروتها الفكرية والرمزية.

في النهاية، يتبيّن أن العلاقة بين السياسة والثقافة لا تسير في خط مستقيم ولا تُختزل في سؤال “من يقود من؟”، بل تتجلّى كعلاقة معقدة ومتعددة الأوجه، تختلف باختلاف الزمان والمكان والسياقات الاجتماعية. ففي بعض الأحيان، تمارس السياسة سطوتها الكاملة وتحوّل الثقافة إلى أداة تطويع وتجميل. وفي أحيان أخرى، تنهض الثقافة كمحرّك للتغيير وتفرض خطابها النقدي على السلطة.

لكن بين هذين القطبين، توجد مساحات رمادية ونماذج وسطية، حيث لا تهيمن جهة بشكل مطلق، بل تُبنى علاقة تفاهم أو توتر دائم. وهذا هو جوهر المجتمعات الحيّة: أن تبقى الثقافة يقظة، والسياسة منفتحة، لأن أي مجتمع يتخلى عن حيويته الثقافية سرعان ما يفقد قدرته على التجدد السياسي.

لعل الجواب الحقيقي على سؤال القيادة ليس حسمًا لأحد الطرفين، بل إقرارًا بأهمية التوازن: ثقافة مستقلة تفكر بجرأة، وسياسة رشيدة تصغي وتحاور. بهذا وحده يمكن بناء مشروع وطني لا يقمع العقل، ولا يعزل القرار، بل يصنع التاريخ على قاعدة المشاركة لا الهيمنة.

       فوزية عرفات

      لبنان

============

من يقود الاخر السياسة أم الثقافة ؟

وما تأثير كل منهما على الآخر سلبا وايجابا ؟

هل يمكن التوافق بينهما ؟

المفارقة في القيادة ما بين السياسة والثقافة أمر تحوطه الغرائبية , الثقافة هي الانسان , هي شمس مواقيتنا , هي مرآتنا في أزمنة نحن منها وهي منا , الثقافة هي ألف ألف حياة .

السياسة وعوالمها معادلات قامت على الظلم وتبادل المصالح , النفعية السلطوية و بسط النفوذ , السياسة بنودها تم حصرها في أروقة تحكمها القوة والنفوذ وكسر ذوات تقف في طريقها , وإن تم الخروج عن نفوذها وبنود قوانينها يتم توقيع العقاب وفرض القيود على شعوب بأكملها , هنا تنبت براعم صبار مقاوم وتولد من رحم المعاناة روح القصيدة , ووجع القصة , وبكاء الرواية , جل الأعمال الأدبية جاءت الينا من رحم المعاناة , من عالم السياسة الذي منه يفرض القوي ما يريده على الجانب الضعيف , يبدا ترسيخ معاني توقيع العقوبات الجماعية , عقوبات تفرض لسنوات يعاني فيها الانسان , ومن هنا تتشكل ثقافتنا , تنضج , تنمو كي تقاوم كل المترديات السياسة المحيطة بها , والتي يقابلها محاولات كسر الارادات والاطاحة بقلب كل انسان يريد أن يحيا حياة الانسان , هنا يتشكل المفهوم الثقافي من رحم هذه المعاناة في حياة نعيشها وزمن يعكس من خلال الثقافة مرآتها .

سؤال كتابة الاجابة عليه يوجع القلب , سؤال ما بين الثقافة والسياسة ومن يقود الآخر لامس جروح لا زالت نازفة , جروح تسكن الروح والوجدان , التأثير هنا قد أوفق في توضيحه .

تأثير المنظومة السياسية أراه ايجابيا على الحياة الثقافية لأن الثقافة هي مرآتنا من عالم حر وحر , هي عدالة الانسانية , ظهرت هذه التجليات من روح القصيدة والقصة والرواية , حين كتب الشاعر ” أمل دنقل ” ” لا تصالح … ” هي القصيدة الخالدة فينا من روح الأسطورة , كتبها من ارادة التحدي لعدو يقف لنا بالمرصاد تحت مظلة بنود سياسية وقوانين دولية مفرغة من مضامينها  , حين سؤل مبدعنا الغالي ” يوسف ادريس ” :

_ لم توقفت عن كتابة القصة واتجهت لكتابة المقالات اليومية في الجريدة أثناء حرب الاستنزاف ؟

أجاب اجابته التي تحمل كل معاني التحدي :

_ النار أمسكت بجلبابي , هل أطفئها أم أكتب القصة ؟!

وعالم الرواية كان هو الملحمة الكبرى , من عالم التحدي الذي منه نبض شخوص وروح وطن وطن .

” غسان كنفاني ” الكلمة البندقية في ” رجال في الشمس ” والسؤال في نهايتها المأساوية ” لماذا لم يدقوا على الخزان ؟!…

” ناجي العلي ” الفنان التشكيلي الفلسطيني , الذي يستحق أكثر من الدموع والكلمات , من ينسى حروف كتبها :

” رسومي ليست للعرض , انها لغة تعبيرية وأراهن على روحي لتوظيفها في سبيل قضيتي , ليست مهمتي ابراز الاضاءات والانجازات , أنا عملي هو الرصد وكشف الألغام … “

السياسة المتوحشة قتلت ” غسان كنفاني ” الذي كان نبض الحرف والكلمة , قتلت ” ناجي العلي ” وبقي ” حنظلة ”  يرنو لعالم هناك حيث الوطن والانسان ” حنظلة ” سقطت من عينه دمعة يوم رحل الأحبة الغاليين عن عالم السياسة وأثواب الزيف منها .

الثقافة وعالم الابداع الموازي للضفة الأخرى من النهر يقابل شراسة عالم السياسة , جعل هذا العالم يتشكل كل فترة قصيرة بثوب جديد كي تحبك الأكاذيب , الثقافة وعالم الابداع لم يغير وجهته بل ظل على  دربه وثباته أما عالم السياسة سيظل يتسابق في فرض نفوذه وسيطرته على منافذ الاعلام والكلمة المكتوبة كي تنتصر لمخططاتها , لذا لن ولن يصير توافق بين عالم يسكنه الشياطين وعالم الانسان والضمير الملاك , كيف لنا أن نأتي بهذا التوافق والذي هو من دروب المستحيل .

                                                       بشرى أبو شرار

                                                     كاتبة قصة ورواية

===============

.

    المفروض أن الثقافة هي جزء مهم ومفصل حيوي من مفاصل التنمية الشاملة لأي بلد، لذا فهي تأتي إلى جانب السياسة، هذا على المستوى العالمي، أما في وطننا العربي فهناك هوة كبيرة بين قادة السياسة وقادة الفكر والأدب والثقافة، وذلك لوجود أزمة ثقة بين الإثنين، كما أن الكل معتد برأيه، وهذا ليس بصالح كل منهما، وبالطبع يمكن حصول توافق بينهما بشرط أن تكون المبادرة من جهة السياسيين أنفسهم، وهو تأسيس مراكز ومعاهد استشارية يعمل فيها فنانون وأدباء ومثقفون يقدمون الاستشارة للحكومات فيما يخص التخطيط الاستراتيجي والمستقبلي للبلد، بالإضافة إلى اسهامهم في تقديم المقترحات والتوصيات فيما يخص الخدمات العامة وتحديث البنية التحتية والتكنولوجية، مما يسهم في تقدم هذا البلد على كافة المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

أحمد الحاج/ كاتب وصحفي

العراق

================

السياسة وفرض السرديات الجاهزة على الثقافة

عبد اللطيف الموسوي

بغداد

يختزل إدوارد سعيد العلاقة المتوترة والمركّبة بين الثقافة والسياسة، بقوله إن «الثقافة ليست مجرد ترف فكري، بل هي مقاومة. إنها مواجهة مستمرة لما تفرضه السلطة من سرديات جاهزة». هذه المقولة بمثابة تأكيد أن السياسة تسعى للوي عنق الثقافة من خلال إملاءات وضغوطات قد لا يتقبلها المثقفون الحقيقون الواعون لدورهم ورسالتهم، فالثقافة ليست هامشاً ناعماً في حياة الشعوب، بل ساحة صراع حقيقية تُمارَس فيها المقاومة ضد هيمنة السلطة وسطوة الخطاب السياسي.

من هنا ينبثق السؤال المحوري: من يقود الآخر؟ هل السياسة هي التي تصوغ الثقافة وفقاً لمصالحها وتوجهاتها، أم أن الثقافة هي التي تُوجّه السياسة من خلال تشكيل الوعي العام والقيم الاجتماعية؟ والأهم من ذلك : هل يمكن أن يحدث بينهما توافق متوازن؟

لا شكّ أنّ السياسة تمتلك أدوات التأثير المباشر المتمثلة في السلطة والقوانين والمؤسسات والإعلام الرسمي ناهيك عن الأهمية البالغة للمال الذي يتحول في أحايين كثيرة إلى مال سياسي . وهي بذلك قادرة على توجيه الثقافة، وأحيانًا تطويعها، إما لخدمة مشاريعها وتنفيذ أجنداتها، أو لترسيخ الأيديولوجيا والهيمنة التي تريدها. مع ذلك فإن تأثير السياسة على الثقافة قد يكون إيجابيًا حين تفتح المجال للحريات وتقديم الدعم المادي للمبدعين، وقد يكون سلبيًا إذا تحوّلت إلى سلطة قمعية تهيمن على الثقافة وتوظّفها لتكون أداة للدعاية.

وثمة سؤال آخر مفاده: هل يمكن الثقافة أن تمتلك سلاحًا أكثر عمقًا وتأثيرًا على المدى البعيد. أرى أن الثقافة يمكنها أن تُعيد تكوين الوعي وتؤثر في الرأي العام، وتغرس الأفكار والمفاهيم التي تصنع المواطن وتؤثّر في سلوكه السياسي بل وتقود إلى صنع الثورات وتعزز إرادة الشعوب. كما يمكنها أن تعزز ثقافة التسامح ونبذ العنف، والدفع نحو الحوار وصولًا إلى التأثير في تحديد طبيعة النظام السياسي الذي ينبثق عن المجتمع.

وبذا، فإن العلاقة بين السياسة والثقافة ينبغي ألا تكون علاقة يشوبها التوجس والتسكيك، وأيهما يجب أن تتفوّق على الأخرى، وإنما علاقة تأثير متبادل، فيها شد وجذب، تلاقٍ وتنافر. إلا أن الشرط الأهم لإقامة مثل هذا التوافق بينهما يتمثل في اعتراف السياسة بدور الثقافة بوصفها ضمير الأمة، وتمنحها الفضاء الحر، وبدورها فإن الثقافة ينبغي أن تشعر بمسؤوليتها فتوجّه السياسة أخلاقيًا وفكريًا دون أن تتحوّل إلى أداة في يدها.

خلاصة القول لا يمكن فصل السياسة عن الثقافة، ولا عدُّ إحداهما تابعة بالكامل للأخرى، فالتأثير بينهما متبادل وإن كانت النسبة تختلف، وأرى انها تميل في الغالب لصالح السياسة . مع ذلك فإن كلاهما تُسهمان في تشكيل هوية المجتمع ومصيره. كما يمكن للعلاقة بينهما ألا تكون صراعًا طوال الوقت، بل يمكن أن تكون شراكة بنّاءة إذا ما تأسست على احترام متبادل واستقلالية نسبية.

يعزز ما ذهبت إليه قول محمد عابد الجابري : «لا يمكن للثقافة أن تكون مستقلة تمامًا عن السياسة، كما لا يمكن للسياسة أن تتجاهل الثقافة دون أن تدفع الثمن».

سطحية التفكير والانقياد لوسائل التواصل وراء تراجع قيمة المهرجانات والمؤتمرات

لنتفق أولًا على أن إقامة المهرجانات والفعاليات الثقافية والفنية والعلمية وفي عموم المجالات أصبحت اليوم وسيلة للتباهي والتفاخر دون عقد العزم على تحقيق الأهداف المرجوة من عقد مثل هذه النشاطات . ولكي أكون منصفًا لا بد لي من القول أن هذا الكلام قد لا ينطبق على جميع المؤسسات المعنية سواء أكانت حكومية أم خاصة.

ويبدو أن العصر الرقمي الذي نعيشه وثورة التواصل الاجتماعي التي غزت الأنحاء والأرجاء كافة، وبسطت كلمتها العليا على مجمل أديم المعمورة، وانقياد جميع الأجيال التي تعيش في هذا العصر للصرخات الجديدة التي طبعت حياتنا، والسعي وراء مضاعفة حجم التفاعلات في وسائل التواصل الاجتماعي ونسبة المشاهدات، جميعها أمور تقف وراء الهوس الذي يصيب القائمين على هذه الفعاليات والمؤتمرات حتى أن هناك من يعمد إلى زيارة صفحات الشخصيات المرشحة للمشاركة بالمهرجانات ومواقعهم الالكترونية للوقوف على حجم التفاعل معهم قبل المضي بدعوتهم.

 ولا شك ان العلاقات الشخصية تتحكم بدورها بالدعوات من دون النظر الى المستوى الفكري والثقافي والعلمي الذي يتمتع به المدعوون ومدى الإضافة التي يمكن ان يقدموها للمهرجان او المؤتمر، بل حتى دعوة الشخصيات المرموقة ليس الهدف منها تعزيز المضمون ومخرجات المؤتمر أو المهرجان بقدر السعي لنيل نوع من الهالة والدعم الاعلامي له.

 وهكذا نرى اليوم أن الدعوات للمهرجانات تتحكم بها العلاقات الشخصية والمصالح المتبادلة بغض النظر عما يمكن أن يقدمه المدعوون من إضافة حقيقية حتى ارتقت هذه الحالة إلى مستوى الظاهرة السلبية والغريبة التي بدأت تغزو حياتنا الثقافية والتي يصعب علينا  التخلص منها بسهولة، ما لم نتخلص أولًا من سطحية تفكيرنا.

إن حل هذه المشكلة والحد منها يكمن في العمل على اختيار لجان تحضيرية علمية للفعاليات تتسم بالموضوعية والمهنية والخبرة والدراية من اجل انجاح هذه المهرجانات . وخلاصة القول أن على القائمين على  هذه الفعاليات أن يفكروا أولًا بالنوع لا بالكم.

       عبد اللطيف الموسوي

رئيس تحرير مجلة المأمون   العراق

شاهد أيضاً

النقل الديداكتيكي في التجربة الصفية مفتاح النجاح

يوسف اسونا |المغرب يمكن الجزم أن العالم المعاصر منذ مطلع القرن العشرين ،يعيش تحولات جذرية …

اترك رد