قراءة في البنية الفكرية والتداولية
العربي الحميدي| المغرب

تُعدّ رواية سيرة حمار للمفكر والأديب المغربي حسن أوريد من الأعمال الأدبية التي تزاوج بين الفلسفة والتاريخ والوجود الإنساني، مستثمرة السرد في إنتاج خطاب متعدّد الأبعاد، يتجاوز الطابع الحكاياتي إلى مساءلة الذات والهوية والمجتمع. وهي رواية تنفتح على مستويات متعددة من القراءة، سواء على مستوى الرمز أو اللغة أو البنية الفلسفية التي تشكل خلفيتها.
في هذا المقال، نحاول الوقوف على الأوجه الخطابية في الرواية، من خلال تحليل بنيتها التعبيرية ومضمراتها الفكرية، واستكشاف الأبعاد الفلسفية والوجودية التي تنبثق من هذا العمل الروائي.
الرواية كمنجز خطابي وفلسفي
المنجز الأدبي، كما هو معلوم، لا يُعبر فقط عن الواقع بشكل مباشر، بل يحمل في طياته مضمرات الإنسان، ويكشف عن المسكوت عنه عبر آليات خطابية تتراوح بين المباشر والالتفافي. ورواية سيرة حمار تمثل نموذجًا لهذا المنجز، حيث لا تُقدَّم الأحداث باعتبارها مجرد تسلسل زمني، بل كرحلة وجودية وفكرية، تنفتح على قضايا الإنسان والمجتمع والتاريخ واللغة.
إنّ ما يُميز هذه الرواية هو قدرتها على التفاعل مع الواقع دون أن تكون خاضعة له. فهي ليست رواية تاريخية فقط، كما يعتقد البعض، بل عمل أدبي يحمل رؤى فلسفية عميقة، وينتقد الحاضر من خلال رموز الماضي. وبذلك تتجاوز الرواية وظيفة السرد نحو بناء خطاب يطمح إلى “تطهير إنسانية الحياة”، حسب تعبير الكاتب.
الرمز والتجسيد السردي: الحمار بوصفه مرآة للإنسان
تمثل شخصية “الحمار” في الرواية أكثر من مجرد حيوان مسخ إليه البطل، بل هي مرآة للإنسان في ضعفه وتناقضه، في صراعه مع ذاته ومحيطه. ويطرح الراوي سؤالًا جوهريًا يستفز الضمير والوعي الإنساني:
“هل أنا حمار يأتي ما تأتي الحمير أم أنا إنسان؟”
في هذا السؤال تختزل الرواية أزمتها الفكرية والوجودية. إنها لحظة وعي قَلِق، بين الرغبة في الانخراط في النمط الحيواني للحياة، وبين التمسك بما يميز الإنسان: الفكر، الوعي، القدرة على القرار والمساءلة.
هذا التجاذب بين الحيواني والإنساني، بين الغريزة والعقل، يشكل أحد المحاور الخطابية التي تتحرك من خلالها الرواية.
لغة الرواية: بين الغنائية والاستعارة
تتميز لغة سيرة حمار بانسيابيتها وثرائها المعجمي، كما أن حضور الاستعارة والمجاز يعزز من جاذبيتها الجمالية والفكرية. فهي لغة تقوم على التلميح أكثر من التصريح، وتشتغل بالرمز لا بالتقرير. هذا ما يجعلها أقرب إلى الخطاب الشعري الفلسفي منها إلى اللغة الحجاجية الصريحة.
فالرواية لا تعتمد على السرد التقليدي، بل تنفتح على بنى خطابية متعددة: التأمل، الخطابة، المونولوغ الداخلي، والتقرير الفلسفي، مما يضفي على العمل طابعًا موسوعيًا. وهذا يُصعّب الإحاطة الشاملة بفكر أوريد الذي يتجاوز حدود الرواية إلى مجالات التاريخ والسياسة والاجتماع والفكر الإنساني العام.
البعد الفلسفي: نحو نظرية في الوجود الإنساني
من خلال شخصية الراوي/الحمار، يُقدّم أوريد تأملًا فلسفيًا في معنى الإنسان والمجتمع والتاريخ. وهو لا يُخفي تشاؤمه من واقع الإنسان، إذ يقول:
“قد أدركت أن كثيرًا من تصرفات بني الإنسان تغلب عليها الطبائع الحيوانية، فهم يحبون الغلب، ويميلون إلى المتع، وينفرون من التفكير، ويغلفون نزواتهم بغلاف إنساني نبيل.”
بهذا المعنى، تُعيد الرواية طرح سؤال الإنسان من جديد: ما الإنسان؟ ما العقل؟ ما الحرية؟ وتخلص إلى أن التمدن ليس نقيض البداوة، بل هو تحول ظرفي للبدوي حين تُتاح له شروط تاريخية معينة.
في ضرورة الكتابة والاحتجاج ضد الصمت
الرواية تحمل دعوة صريحة إلى كسر الصمت، ورفض التواطؤ مع الخنوع الجماعي. “إن لم نكتب تاريخنا، سيكتبه الآخرون عنا”، يقول الراوي، في تحريض واضح على الوعي والفعل، ورفض “لغة الحمير”، تلك اللغة التي “تعدم التفكير ولا تعرف التمييز أو الشك”.
يؤمن أوريد بأن الكتابة فعل مقاومة، وأن الأدب يمكن أن يكون منصة للمعارضة الرمزية، ومحاولة لتطوير الفكر واللغة والرؤية نحو الإنسان والمجتمع.
إن رواية سيرة حمار لحسن أوريد ليست مجرد حكاية ذات طابع رمزي، بل هي مشروع فكري وأدبي متكامل، ينفتح على أسئلة كبرى تتعلق بالهوية، العقل، اللغة، المجتمع، والتاريخ. ومن خلال تعدد أصواتها وأقنعتها الرمزية، تخلق الرواية فضاءً تأويليًا رحبًا، يسمح بتعدد القراءات وتنوع التأويلات. تُمثل الرواية، في بعدها الخطابي، محاولة للانخراط في التجربة الإنسانية الكونية، بعيدًا عن أي نزعة انغلاقية. وهي في الآن ذاته، نقد للمجتمع من الداخل، بلغة تُعلي من شأن الإنسان، وترفض الاستكانة إلى الواقع.
بقلم رئيس التحرير
عناقيد عناقيد، موقع ثقافي فكري جامع مستقل.