زينب الفضالي| مصر

كان يمشي مسرعا كعادته لا يعبأ بأحد… يهم بخطوات ثقيلة راسية مخرجا ذيل جلابيته الرمادية الكالحة من عروة الجيب الجانبي ، فبدا كتمثال مهول الحجم يتحرك بآلية.. مشمراً (كم) جلابيته الواسع … تكاد عضلاته تقفز من تحت الجلد الاسمر الرطب.. جهامة وجهه وعينيه الثابتة النظرة يتطاير منها الشرار المحموم وقبضته المضمومة والعرق الغزير ينـز من تحت طاقيته الصوف البنية ويبلل الرقبة الضخمة نافرة العروق… كلها علامات تنذر بغضبه الفائر كقوة غاشمة… وجهه منحوت من صخر… شاربه كث عريض ، وعيناه ضيقتان صغيرتان كخرزتين بما لا يتناسب مع ضخامة الوجه وعملقة الطول والعرض.. يمشي يناطح الريح بخطوات واسعة واثقة… يقسم الواد سيد القللي انه رآه يوم السوق يراهن علي ثني (شلن) فثناه امام ذهول الجميع.
(ابو شحاته) يخافه العيال ويهابه الصبية ويتحاشاه الشباب ولا يستخف به الكبار.. اسمته امه بهذا الاسم بعد ان اجهضت قبله خمسة بطون ثم لم تنجب بعده إلا بعد خمسة عشر عاما فجاء (حامد) اخوه الصغير المدلل علي حس اخيه الكبير الذي حل مكان الاب بعد وفاته… ولم يكن حامد اكمل عامه الأول.. فحمل شحاته الحمل وحده.. يزرع قراطين الأرض ولا يرفض أي عمل يطلب منه باي مقابل ، يعمل احيانا حمالا في مضرب الارز … وفواعلياً.. ومشهلاتي يقضي للناس مشاوير وطلبات في القرية او المركز.. فليس هناك عمل لا يجيده ولا يعرفه … ولا يتورع ان يعمل اجيراً في ارض الغير.. تعينه قوته الناضحة وعلمه البسيط بالقراءة والكتابة وحفظه لسور القرآن الصغيرة ، فقد كان يلزم الكتاب عند الشيخ عبد الصمد في صغره ولكن تدليل امه الزائد… ومرض الاب وقعوده عن العمل… وقسوة الشيخ عليه وضربه له جعله يهرب من الكتاب ويرفض ان يعود اليه…
تربي أمه الطيور وتصنع الزيد والجبن القريش وتبيعهم كل اسبوع في سوق القرية.. تشتهر بصلابتها وجفائها مع الناس وحبها الشديد لشحاته فهو رجلها وسندها… ومازال حامد صبيا صغيراً يحتاج للرعاية والتربية.
مر في طريقه بدكان عم صالح الكومي فلم يلق السلام كعادته..فتعوذ الرجل من الشيطان الرجيم وهمس في نفسه :
– استر ياستار.. ونادي عليه فلم يرد كما توقع
– علي فين العزم يا شحاته؟!
وصل الي الصوان المقام على طرف القرية لتلقي العزاء في بيت عائلة أبو المعاطي وهو ابن عم العمدة احمد ابو المعاطي ونسيبه
كان العزاء لم يبدأ بعد وعمال الفراشة يرصون الكراسي ، وآخرين علي السلالم العالية يعلقون الكهارب… لا أحد إلا المقربين وبعض الجيران المجاملين ونسائهم في البيوت يعدون صواني الغذاء التي سيرسلنها بعد الظهر لبيت الميت… نظر باحثاً عنه ودخل مندفعاً لم يأبه لاحد قاصدا سالم عوف.. زينة شباب عائلة العمدة والقرية كلها… حيث كان جالساً في قعرالصوان وسط بعضاً من شلته.. فهجم عليه ممسكاً بتلابيب عباءته المعطرة بالمسك صارخاً كعاصفة غضب كاسحه..:
– بتمد ايدك علي عيل يتيم قد ركبتك… فرد سالم بتلقائية مدافعاً:
– ايه يا شحاتة انت جاي تجر شكل وترمي بلاك علينا
هرول شباب عائلة العمدة واقاربه وهتف احدهم:
– واد انت وهو اتعاركوا برة ما يصحش كده…
– حقكم عليا.. هتف شحاتة وهو يسحب سالم من رقبته خارج الصوان تحلق الشباب حولهما وصرخ شحاته:
– بتتشطر علي عيل صغير طب وريني جدعنتك يا عايق!!
جاء صوت رصين من الوسط:
– صلي علي النبي يا شحاته ايه اللي حصل بس؟!
– مسك اخويا حامد وضربه بالقلم علي وشه.. ولازم ينضرب دلوقتي قدام البلد كلها..
تحرر سالم من قبضته الرهيبة وخلع عباءته زاعقاً
– انا هوريك مقامك يا ثور!! واد قليل الرباية وضربته!
اتمألس عليا وانا ماشي هو والاوباش صحابه…!
وثب شحاته عليه واطبق علي عنقه ولم تفلح كل تداخلات الاذرع الفتية ولا كلمات التطييب المتناثرة في تهدئته.
- يا جماعة انتوا اخوات.. عيب عليكم اعملوا خاطر للناس الكبار اللي جوه!
احتقن وجه سالم عوف وكاد يختنق لم يكن بالطبع بقوة وفتوة شحاته دارت العركة والتفت الارجل والازرع تحاول فض الاشتباك… ووقعا علي الارض.. شحاته وتحته سالم الذي تحشرج صوته طالباً الهواء.. هنا نهض شحاته من فوقه ولبس طاقيته التي وقعت ثم بصق علي الارض ناظراً لسالم نظرة احتقار واستنقاص قائلا:
- تاني مرة ماتتشطرش على عيل صغير واعرف مقامك…
وانصرف دون ان يكلم احدا نافضاً جلبابه… كان حضوره طاغياً… تبعته لعنات
سالم خافتة مختلطة بسعاله الشديد وهمهمات غير مفهومة اختتمت (والله لوريك) يا ثور
العجيب ان شحاته رغم خشونته وضيق خلقه واندفاعه… جدع ويسد وقلبه
ابيض… تجده يحمل الاحمال الثقيلة عن كبار السن ويقضي حوائجهم ويجامله بعضهم
بلقب (فتوة بلدنا )… وينافقه آخرين بنفس اللقب لمنافع قد ترجى منه… فيقابل ذلك
بابتسامة عريضة واضعا يده على صدره مطاطئ الرأس خجلاً…
هو ابن بلد يجامل في الافراح يحمل شوار العرائس ويبرع في الرقص بالعصا وينقط
على قدره مهنناً رغم فقره وحاجته… عزيز النفس لا ينكب على طعام او يفرض نفسه على عزومة… وتجده في الاحزان والمياتم يحمل النعوش ويقف على المقابر يساعد التربي ويخدم اهل الميت والمعزيين… لا يقبل الأهانة ابدا او ان يمس احد اخيه او امه ويسعى
بكل جهده عليهما… وكل امله ان يفلح حامد في المدرسة وينصلح حاله ويبعد عن شلة
العيال الفسدانة التي تلفت امله وجعلته يترك المدرسة… تجمعت شلة سالم عوف ذات ليلة
كعادتهم وكان شحاتة قبل واقعة الصوان الشهيرة واحداً منهم ولكنه انقطع عنهم بعدها…
فذهبوا قبالة بيته ولم يكن سالم معهم… ونادوا عليه فخرج اليهم لا يأبه بتجمعهم.
صوته الاجش الخشن يوقظ الموتي من قبورهم:
– عاوزين ايه الساعه دي!!؟
– تعالي بس يا شحاتة عاوزينك في كلمة…!
اندفع نحوهم ممسكاً بطرف جلبابه في تأفف وضيق…
هم يحبون طيبته وجدعنته ويبغضون عزة نفسه وقوته الزائدة عن الحد… المتفوقة
عليهم.. وكعادته تحلي لهم الرهانات وعادة ما يكسب شحاته رهانات القوة والقدرة علي
الأكل فلم يستطع مرة ان يحرك ذراعه اثنين منهم… عملقة جسده وقوة ساعديه ليس لهما
نظير بين اقرانه … واستطاع مرة ان يأكل عشرين كوزاً من الذرة النية دون شي… هم علي أي حال ينتفعون بوجودهم معه في الشلة فهو صاحب صاحبه اذا لم يستفزه احد او يقلل منه…
وهم في حماه وصداقته لا يستطيع ولا يفكر احد في التصدي لهم… واحيانا يستغلون قوته في عداواتهم الشخصية ومصالحهم الخاصة…
– ايه يا شحاته انت مقاطعنا ولا ايه؟!
– لا.. بس مشغوليات..!
طب تعالي اشرب شاي واسهر معانا شوية.. تعالي يا راجل..
ينجذب نحوهم دون تفكير يرفه عن نفسه قليلا من شقي وتعب طول النهار فهو عملاق طيب ويتراضي بكلمتين وكوباية شاي حبر بخمس ملاعق سكر!!
يروق له ان يشعر انه مميزاً بينهم واكثر شيء يعجبه ويسره ان من يخسر الرهان عليه ان يخر راكعاً هازئاً امامه ممسكا بساقيه في سخرية..!! قائلا:
في عرضك يا ابو شحاته..!!
ثم ينفجروا في الضحك فما يكون من شحاته إلا ان يمسك به حاملاً اياه بيد واحدة
وهو يضحك ضحكته الطفولية العابثة.. جلسوا يتسامرون علي شاطيء الترعة ويشربون
دور شاي علي نار الراكية وقد يصبحون دورين او ثلاثة… وجاءت سيرة جنيات الترعة
اللاتي يجذبن الرجال والعفاريت ويقسم احدهم انه رأي عفريتاً في ليلة مظلمة كان رجلا امامه وفي لحظة تحول الي خروف… واخذتهم سيرة العفاريت الي الحديث عن بيت (ابو دومة)
المهجور من سنوات لما اشتهر عنه انه مسكون بالعفاريت والجن… كانت الليلة شتوية
شديدة البرودة ثم لمعت عيني احدهم… قائلا كأنه لقي لقية :
– الرهان الجديد ياولاد!!!؟ مين يقدر يدخل بيت ابو دومة علي شرط يكون بليل..؟!!
ونظروا كلهم إليه يستدرجوه للرهان الجديد… فضحك ملأ شدقيه في براءة وقال:
ما عفريت إلا بني آدم!
فرد عليه احدهم بتحدي:- طب ورينا شطارتك وجدعنتك يا ابو شحاته
فقال مستهزأ بالكلام:
بكرة هادخله زي دلوقتي قدامكم… ومين هيدخل معايا؟!
فهتف احدهم:- لا ياعم انت تدخل لوحدك ومن غير شمعة ولا بطارية!!
فقال آخر: مش كفاية يدخل ويدق مسمار كبير في الحيطة… اصل العفاريت مابتحبش
الدوشة… وبتلبس اللي يدخل مسكنها في العتمة … ضحك شحاتة وقال مستهيناً:
– بس كدة.. انا مستعد أبات فيه كمان والضلمة علاولة!!!
كان ذلك اعترافا منهم بان قوته اصبحت لا تقارن بقوة البشر وتحتاج الي قوة اخري
خفية تنافسها.. واعجبه ذلك كثيراً.. ثم قال احدهم متحدياً:
– لو نفذت الرهان.. لو… لو يعني.. لك عندي عزومة كباب وطرب في المركز !!
وزاد آخر:
– وصينية بسبوسة بالقشطة من عند الصفدي لك لوحدك!!
هو لا يأبه بالمقابل ، هو لا يريد لسيطه في البلد ان يهتز.. فهذا السيط بالفتوة اغناه من الفقر وعوضه عن اليتم وميزه وجعله يجلس على عرش القوة ملكاً متوجاً فقام قائلا
بتحدي كشجرة عملاقة: – بكره بعد العشا . !!
تهيأ شحاته لهذا الرهان بالذات… فاستحم وارتدي جلبابه الصوف الجديد ولاسته
الستان وطاقية الحجاز التي اهداها له عم صالح بعدما رجع من الحج… وخرج في موعده
والظلمة وحش هائل رابض علي القرية الهاجعة.. خطا شحاتة خطوات ثابتة واثقة جعلتهم
يشعرون بالدونية كما لم يشعروا بها من قبل.. في احدي يديه شاكوش عم صالح الذي استعاره منه في الصباح وفي الاخري مسمار كبير.. كانوا يرقبونه من بعيد في توجس واعجاب
متمازجين… وكان يعجبه ذلك.. ظلوا مكتومي الانفاس مأخوذين بهذه الجرأة وهذا العنفوان الخارق..
البيت مهجور من زمن بعيد … تكاثرت عليه الحكايات والاقاويل الغامضة بان صاحبه
كان شيخ منسر وقتل فيه محروقاً..!!
اقترب شحاته من الباب المكسور الموارب دفعه برفق… فسمع صريراً يشرخ صمت
الليل وزادت الرياح الباردة في دفعه فانفتح علي مصراعيه … لا شيء يسمع سوي هسيس
الليل ونقيق الضفادع وازير صراصير الغيطان… أما نباح الكلاب الهستيري . فغطى علي كل الاصوات الاخري..دخل شحاتة كمارد لم يت00راجع ولم يتردد ، والتفت ناظراً اليهم وعلي وجهه نفس الضحكة المستهينة الواثقة ولوح لهم ساخراً منهم…
اشرأبت اعناقهم ولم يصدقوا ما رأوه… فلم يحاول احد من قبل ان يدخل بيت ابو دومة المسكون بروحه المعذبة فيه… فالناس عادة ما تسمع اصواتاً عجيبة تتردد بداخلة وخاصة بالليل ومنهم من رأي بأم عينه دخاناً يتصاعد من سقفه الخرب . ومنهم من سمع صراخآ واصوات ارتطام اشياء وزجاج ينكسر بعنف .. وآخر واقعة ان رأي احد الفلاحين رجلا يخرج منه نصفه الاعلي رجل ونصفه الاسفل غير موجود ، ويضع علي رأسه الحليق تاجاً من ذهب …!!
وما ان دخل في صحن البيت حتى رفع يده فلم ير شيئا قط … كان ظلاما دامسا ابتلعه كأنه اسلم نفسه لدوامه من الظلام المتراكب فصلته تماما عن العالم الخارجي …
بدأت ضربات قلبه تتسارع رغما عنه ، وأخذ يلوم نفسه على هذا الرهان الشين… انكب العرق علي جسده البارد واخذ يتحسس الحائط المغطي بالتراب … هنا أو في أي موضع سيدق المسمار … لا يهم يريد ان يدقه وحسبه ذلك… وأخذ يلعن حماقته وانساحبه من لسانه بتعلية الرهان للمبيت… ولكنه سرعان ما ثبت نفسه وهون عليها الأمر… سيكون حدثاً يتناقله اهل البلد… وسيبقي اسطورة القوة والفتونة والجدعنة في البلد والناحية كلها …
سيتحاكي عنه العيال والصبية … في الاسواق وسيردد الرجال الحكاية علي مصاطب البيوت… وسيكون مضرب المثل في الشجاعة والفتوة في ثرثرة النسوان وجلساتهن السرية…
رائحة العفن تملأ انفه… تحسس الموضع ووضع المسمار مسرعا وبدأ يدق … الجدار رطب
وسوف يشق المسمار طريقه دون عناء… لا يؤنسه في تلك اللحظات الثقيلة الضاغطة إلا نباح الكلاب… يأتيه من الخارج وصداه يتردد داخل البيت الخرب فيرج الاركان… والجو المشبع بالرطوبة والعطن يطبق على انفاسه
استعاد ثباته واصبح صوت دقات الشاكوش علي رأس المسمار أكثر ما يؤنسه
بدأت ضربات قلبه تهدأ قليلاً ، والضربات علي رأس المسمار تقوي وتزداد… واخذ يمني نفسه بقرب انتهاء المهمة… استقر المسمار في الجدار المتهالك وغاص فيه.. اختبر ثباته جيداً هزه يمنة ويسره.. هكذا انتهي الأمر سريعا.
سيخرج يلوح لهم ويرجع يقضي ليلته هنا متكوماً في أي ركن… او حتي واقفاً حتي الفجر..!! لابد ان يفي بما قال ولا يصغر نفسه أمامهم بعد ان تورط… والتفت يريد أن ينصرف فوجد من يجذبه بقوة لم يستطع الإفلات منها.. !!
انتظره الشباب فلم يخرج.. قال احدهم مغتاظاً
– سيكسب الرهان ابن الجنية!! سببيت داخل البيت!! لا اصدق
ظلوا منتظرين امام البيت .. حتي الفجر… ولكنه لم يخرج ولا حتي عند الضحى …
ماذا يفعلون ايدخل احدهم يلقي نظرة؟!!
اخدعهم وخرج من مخرج آخر وهو الآن ينام في بيته؟؟!!
ذهبوا لبيته يسألون عنه اخبرتهم أمه انه لم يبت في البيت
فعلموا انه داخل بيت ابو دومة لا محالة… ازداد قلقهم وسيطر عليهم شعوراً عميقاً
بالذنب.. لم يجدوا إلا عم صالح ليطلعوه علي الأمر وكان حاضراً معه الشيخ عبد الصمد
مؤذن وأمام المسجد… الذي اخذ يلعنهم ويلعن ايامهم… واضطر مع ذلك ان يدخل بيت
ابو دومة مرغماً مستعيذاً بالله من شر شياطين الانس والجن.. بعد ان الح عليه عم صالح
قائلا: الواد شحاته غلبان ومالوش حد.
تبعهما الشباب يكاد يقتلهم القلق والفضول …
وجدوه متكوماً بجسده الضخم بجانب احد الجدران وذراعه الايسر مرفوعا لاعلي عند موضع المسمار المدقوق .. كان شحاته يدق بقوة علي راس المسمار ومن تحته (كم) جلبابه
الذي علق بالمسمار.. فاندق معه… وعندما هم بالتحرك وجد من يجذبه بقوة هائلة من ذراعه… فخر صريعا من الهلع…!!!
عناقيد عناقيد، موقع ثقافي فكري جامع مستقل.