هل الفن التشكيلي لعنة أم خلاص؟

العربي الحميدي| المغرب

من المفارقات المأساوية في تاريخ الفن أنّ العديد من أعظم الفنانين التشكيليين، الذين خلّدوا أسماءهم في ذاكرة الإنسانية، ماتوا فقراء، مهمّشين، أو مجهولين، فقط ليُحتفى بهم بعد وفاتهم، وتباع أعمالهم بملايين الدولارات لاحقًا. فما الذي يجعل العبقرية التشكيلية تعاني في حياتها من الجوع والتجاهل؟ وهل هو قدر محتوم أم خلل في المنظومة الثقافية والاجتماعية والاقتصادية التي تحيط بالفنان؟ في هذه الورقة، أحاول تفكيك هذه الإشكالية من خلال تحليل عوامل متعددة، واستحضار نماذج من الفنانين الذين عاشوا وماتوا فقراء، ثم خُلّدوا بعد رحيلهم.

  • قطيعة بين الفن وسوق المال

من أبرز الأسباب التي تجعل الفنان التشكيلي يعيش حياة الفقر هو الانفصال التاريخي بين القيمة الجمالية للعمل الفني وقيمته السوقية. فالفن، في جوهره، ليس منتجًا اقتصاديًا بالمعنى التقليدي. الفنان لا يصنع “سلعة”، بل يُنتج رؤية، إحساسًا، وصرخة وجود. هذا ما يجعل تسويق العمل الفني مسألة معقدة، خصوصًا إذا لم يكن الفنان منخرطًا في شبكات السوق أو لا يجيد الترويج لنفسه.

 Vincent Willem Van Gogh   

هو النموذج الأشهر لهذا التناقض الصارخ؛ فقد باع لوحة واحدة فقط في حياته، وعاش في فقر مدقع، يتكفل به شقيقه تيو، بينما تُباع لوحاته اليوم بمئات الملايين. لم تُفهم عبقريته إلا بعد انتحاره، حين بدأت الحداثة الفنية تكتشف عمق رؤيته.

– نبذ المجتمع للفنان المختلف

الفنان غالبًا ما يعيش خارج السرب، يرى ما لا يراه الآخرون، ويعبّر عما لا يُقال. لذلك، كان المجتمع، في كل الأزمنة، ينظر إلى الفنان على أنه غريب الأطوار، غير منتج، أو حتى منحرف. هذه النظرة الاجتماعية ساهمت في تهميش الفنانين، ودفعت بكثير منهم إلى العزلة، والمرض النفسي، وحتى الانتحار.

Amedeo Modigliani    

مثال مأساوي آخر؛ عاش في باريس حياة فقر، مرض، وإدمان. لم يُقدَّر فنه التعبيري إلا بعد موته. اليوم، تعد لوحاته من أغلى الأعمال في العالم. أما حياته، فقد كانت سلسلة من الإقصاء والسخرية.

– ضعف المؤسسات الثقافية وغياب الدعم

في كثير من البلدان، وخاصة في السياقات التي لا تُولي الثقافة أولوية، لا توجد مؤسسات تدعم الفنانين، ولا قوانين تحميهم، ولا برامج تروّج لفنهم. هذا الوضع يجعل الفنان معزولًا عن الدولة وعن السوق، يعتمد على مجهود فردي في ظل واقع قاس.

في هذا السياق، يمكن ذكر Paul Gauguin  الذي هجر باريس وسافر إلى تاهيتي باحثًا عن حياة بدائية، بسبب عجزه عن التكيّف مع المجتمع الأوروبي، وعدم قدرته على العيش من فنه. مات فقيرًا، منسيًا، لكن لوحاته تُعرض اليوم في أهم المتاحف الالعالمية.

 – الفن كاستنزاف وجودي لا كحرفة مهنية

عند بعض الفنانين، لا يكون الفن وسيلة للربح، بل وسيلة للبقاء، للبوح، وللاحتجاج على العالم. هؤلاء لا يهتمون بتسويق أنفسهم، بل ينكبّون على أعمالهم  يحفرون دواخل ذاتهم. في هذه الحالة، يتحوّل الفن إلى “عملية استنزاف وجودي”، لا إلى منتج يُباع في السوق.

Egon Schiele 

الرسام النمساوي الذي مات في سنّ مبكرة، كان غارقًا في تمثّل الجسد، والموت، والقلق الوجودي. لم يحاول أن يُرضي الذوق العام، بل قدّم فنًا صادمًا، متحررًا من التقاليد. عاش حياة فقيرة، ومات شابًا، قبل أن يُعترف بأهميته الفنية لاحقًا.

  • ما بعد الموت

حين يصبح الفقير كنزًا!

من المفارقات الساخرة أن سوق الفن يزدهر غالبًا بعد موت الفنان. فحين يموت، تنتهي قدرته على الإنتاج، وتُصبح أعماله نادرة، فيرتفع ثمنها. وهكذا، يتحوّل من “فنان فقير” إلى “اسم مقدّس”، تتهافت المتاحف والمزادات على لوحاته.

من بين الفنانين الذين عاشوا هذا المصير:

Jean-Michel Basquiat

الذي توفي في عمر 27 سنة بسبب جرعة زائدة. لوحاته الآن تُباع بعشرات الملايين.

Carmelo Arden Quin

أحد مؤسسي حركة الفن الملموس، عاش مهمشًا، رغم إسهامه النظري والشكلي في الحداثة الفنية.

 Henri de Toulouse-Lautrec

الذي وثّق حياة باريس الليلية، لكنه عانى من مرض وعزلة ومات شابًا.

ليس الفقر قدرًا حتميًا للفنان، لكن النظام الثقافي والاقتصادي السائد يجعل من الصعب على الفنان التشكيلي العيش بكرامة من فنه، خصوصًا إذا لم يكن محاطًا بداعمين، أو لم يدخل في لعبة السوق. الفن التشكيلي يحتاج اليوم إلى آليات جديدة للدعم، والتوزيع، والحماية، حتى لا تظل عبقريات القرن الحاضر تموت كما مات الفنانون الأولون في صمت وفقر.

***اللوحة نقلا عن موقع بالعربية نت.

شاهد أيضاً

الإلياذة البغدادية للمغربي عبد الله اتهومي

سيد جمعة| مصر الكتاب و لعله الأول في محتواه الداخلي من حيث القصيدة مُتعددة المقاطع …

اترك رد