رسائل لم تُرسَل

العربي الحميدي| المغرب

ذات صباح، كان يوسف يجلس في مقهاه المعتاد، يحتسي قهوته السوداء التي يرى فيها أيامه الخوالي بهدوء، وصديقه الوقت يشاركه الصمت. لم يكن يتخيل يومًا أن القلب يمكن أن يُقسم إلى نصفين دون أن ينكسر، أو أن الحبّ قد يتخذ وجهين دون أن يذوب أحدهما في الآخر.

عبر فنجان القهوة، تسلّل الماضي كخيط ضوءٍ باهت، واستعرض أمامه شريط حياته. تلك اللحظة الفاصلة حين وجد نفسه عالقًا بين امرأتين… إحداهما أنقذته من حُمّى الغرق، والأخرى أحيت فيه نار الحياة من جديد.

الأولى كانت أولغا… امرأة تشبه الأمل حين يأتي متأخرًا، لكنه يأتي. حين التقاها، كان قد خرج توّه من نفقٍ طويل من التيه. لم تكن تشبه أحدًا؛ بعينيها المضيئتين وابتسامتها التي لا تفارق شفتيها، بدت ككائنٍ لا ينتمي إلى أرض البشر. ملامحها ساكنة كصلاة، وصوتها رخيم كأنه يُتلى من سفرٍ قديم.

كانت هبة من السماء، خيبة جميلة قلبت موازين روحه وأيقظت حواسه. لم تحبه بجنون، بل بحنوّ العارفات. احتضنت هشاشته، وعلّمته كيف يغفر لماضيه، كيف يتأمل الحياة دون خوف، وكيف يحب نفسه من جديد.

ثم، كما يحدث دائمًا، رحلت أولغا بهدوء. لم تودّعه، ولم تفسّر. فقط اختفت. لكن ظلّها بقي يحرسه من بعيد. كانت تعرف أنه رجل لا يهب قلبه بسهولة، وأن ما أعطته يكفيه ليكمل المسير.

وفي لحظة عزلة، وهو يظن أن الحياة انتهت عند حدود الذكرى، أطلت ندى من مفترق آخر في دربه. كانت النقيض التام لـأولغا… امرأة من نار، تحبه بشراسة، وتعطيه دون حساب. أحبّته كما يحب الجائع لقمةَ الخبز، وكما يتشبّث الغريق بأول نسمة هواء.

لم تطلب منه شيئًا سوى حضوره في حياتها. أرادت أن تبني معه حياة، لا أن تنقذه منها. أرادت أن تكون الشريكة، لا المخلّصة.

وهكذا وجد يوسف نفسه ممزقًا بين نورٍ هادئ ونارٍ مشتعلة… بين أولغا التي منحته روحه، وندى التي أعادت له روحه وجسده. حاول أن يسير بينهما بتوازن، أن يكون وفيًّا لكليهما دون أن يخون إحداهما أو يخون نفسه. لكنه نسي أن الحب، حين يتكاثر، يختنق.

بدأت أولغا تنسحب من حياته كما دخلت… في صمت. لم تسأله، لم تعاتبه، فقط فهمت. عرفت أن الرجل الذي انتشلته من التيه، صار لامرأةٍ أخرى. أما ندى، فبدأت ترتجف من غيابه، من شروده، من ظلٍّ يسكن عينيه، ومن شكوكها التي تنهش قلبها.

وفي ليلة ماطرة، قرّر يوسف أن يختفي. لم يترك وراءه سوى رسالتين، لم تُرسلا:

 “ندى… أولغا…

سامحاني. لست نبيًّا لأفهم ما لا يُفهم. كنتما النور والنار، وأنا الرماد بينكما.

ظننت أن الحب يُحيي، لكنه قتلني حين تعددت وجوهه.

لا تبحثا عني… لقد وجدت حريتي في الغياب.”

لكن في اللحظة الأخيرة… مزّق الرسالتين.

غادر المقهى، وفي فجر اليوم التالي، توجّه إلى وجهة لم يُخبر بها نفسه ولا أحدًا.

عادت أولغا إلى صلاتها في الكنيسة، إلى هدوئها الأبدي، أكثر صمتًا من ذي قبل. أعادت يوسف إلى الحياة… فقط لتأخذه منها امرأة أخرى.

أما ندى، فلم تُطفئ نارها. ظلّت تكتب له رسائل بحواسها، وتناجيه بصوتها كل مساء. أحبّته بكل ما فيها، كما لم تفعل امرأة من قبل.

أصبح يوسف ذكرى؟

رجلًا حطمته امرأتان… وأحبّته امرأتان.

شاهد أيضاً

الرواجفة يعاين شعرية النسق الروائي

عمّان- يقدم د.ليث الرواجفة في كتابه “شعرية النسق الروائي” قراءة نقدية معمّقة في علاقة السرد …

اترك رد