التشظي في الفن التشكيلي
عند الحديث مع فنان تشكيلي مثل عبد العزيز عبدوس، تجد نفسك أمام فلسفة تنبض بالحياة وتبحث عن المعنى.
يقول:
“أعتقد أني كائن خسر جميع الرهانات إلا واحدًا، وهو تواجدي في مرسمي لأحس بنبض بين الفرشاة والقماش.”
هذا القول يحمل في طياته رؤية فلسفية عميقة تجمع بين الخسارة والربح. بالنسبة لعبدوس، الرهانات الحياتية سواء كانت النجاح المادي، المكانة الاجتماعية، أو أي مكاسب أخرى ليست سوى أوهام زائلة. وهو يرى في هذه الخسارات دافعًا للبحث عن الجوهر الحقيقي، الذي يجد تعبيره الكامل في مرسمه.
الفن رهانٌ مقدس
مرسم عبدوس هو عالمه الخاص، حيث يتحول القماش الأبيض إلى فضاء غير محدود الاحتمالات، وتصبح الفرشاة أداة لنقل نبض الروح. في هذا الفضاء، يكتشف الفنان عمق وجوده، بعيدًا عن صخب العالم وضغوطاته. الرسم بالنسبة له ليس مجرد ممارسة تقنية، بل هو حالة وجودية خالصة، تتجسد فيها الذات عبر أشكال وألوان تعبّر عن أعمق أحاسيسه.
الفن وسيلة لفهم الذات
يرى عبدوس أن الرسم أكثر من مجرد موهبة؛ إنه ملكة فطرية يولد بها الإنسان، تشبه قدرته على التفكير أو التعبير بالكلمات. هذه الرؤية تعيدنا إلى الطفولة، حيث يبدأ الإنسان بالتعبير البصري قبل اكتساب اللغة. الرسم، بهذا المعنى، هو اللغة الأولى للإنسان، وسيلة طبيعية لفهم الذات والعالم.
الرسم، بالنسبة له، انعكاس ذاتي وإسقاط داخلي. فاللوحة ليست مجرد مساحة للتعبير الفني، بل مرآة تكشف أعماق النفس. من خلال الرسم، يواجه عبدوس غموض ذاته ويترجمه إلى وضوح بصري، فتتحول الألوان إلى خطوط تعكس كيانه وتمنحه القدرة على استكشاف “ماهيته” في عالم مليء بالتساؤلات.
الفن رحلة بحثية وتأملية
ينظر عبدوس إلى الفن كرحلة استكشاف، أشبه بسفرٍ في سراديب اللون والشكل والإيقاع. لا يسعى إلى التميز في حد ذاته، بل يعتبر الفن وسيلة لفهم الشيفرات العميقة للوجود. الألوان والأشكال، بالنسبة له، ليست مجرد أدوات تقنية، بل رموزٌ تحتاج إلى فكّ شيفرتها، ليكشف من خلالها حقائق الذات والوجود.
التشكيل تجربة علاجية
يرى عبدوس في الرسم ممارسةً علاجية، تساعده على تهدئة قلقه الوجودي، وتمنحه مساحة للتأمل الداخلي. إنه جسر يربط بين الداخل والخارج، بين الغموض الشخصي والوضوح الفكري.
التشظي فلسفة فنية
يعتمد عبدوس في فنه أسلوب التشظي، حيث يجزّئ الصورة أو الشكل إلى أجزاء متناثرة. هذا الأسلوب يعبر عن تفكك الأفكار والضغوط التي يعيشها الإنسان في العصر الحديث. الأجساد المفككة في أعماله تجسد هشاشة الإنسان وتفككه النفسي والعاطفي تحت وطأة الضغوط الحياتية.
إنه يستلهم من هذا التفكك رؤى متعددة عن الواقع، ويخلق من خلاله عالمه الخاص. بالنسبة له، التشظي ليس مجرد تقنية، بل استجابة وجودية تعكس انقطاع الروابط بين الإنسان وعالمه، ومحاولة لإعادة بناء المعنى في زمن يعاني من فقدانه.
الفن يعيش بين اللون والفكرة
يؤمن عبدوس بأن اللون هو ترجمة للفكرة، وأن كلاهما يتكامل ليمنح العمل الفني جوهره الحقيقي. اللون هو الجسر الذي يربط بين الإحساس والتأمل، بينما الفكرة هي المضمون الذي يمنح الألوان عمقها. هذه العلاقة تجعل من الفن حوارًا مستمرًا بين الإدراك الحسي والتفكر التأملي، حيث يتجلى الإبداع في أبهى صوره.
رؤية شمولية للفن
الفن عند عبدوس ليس غاية في حد ذاته، ولا وسيلة لخدمة قضايا الحياة فقط، بل تجربة متكاملة تمزج بين الإدراك الحسي والمشاعر، وتؤدي إلى حالة من “اليقظة الدائمة”. إنه وسيلة لاكتشاف جوهر الوجود، ومحاولة لمس الحقيقة التي تتجاوز التصنيفات الضيقة، سواء الجمالية أو الوظيفية.
إنه رحلة انعزالية، فلسفية وروحية، نحو الذات والعالم. ممارسة تعكس قلقًا وجوديًا ومعاناة إنسانية، لكنها في الوقت ذاته تحمل أملاً في التغيير والتواصل مع جوهر الحياة. عبر التشظي والتجريد، يقدّم عبدوس رؤيته الخاصة للفن، حيث يصبح العمل الفني انعكاسًا لزمنٍ مضطرب ومحاولة لفهمه وإعادة تشكيله.
عناقيد عناقيد، موقع ثقافي فكري جامع مستقل.